الغزالي

196

إحياء علوم الدين

وقال أبو الحسن محمد بن أحمد وكان بالبصرة ، صحبت سهل بن عبد الله ستين سنة ، فما رأيته تغير عند شيء كان يسمعه من الذكر أو القرءان ، فلما كان في آخر عمره قرأ رجل بين يديه * ( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) * « 1 » الآية ، فرأيته قد ارتعد وكاد يسقط ، فلما عاد إلى حاله سألته عن ذلك ، فقال نعم يا حبيبي قد ضعفنا ، وكذلك سمع مرة قوله تعالى * ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ) * « 2 » فاضطرب فسأله ابن سالم وكان من أصحابه ، فقال قد ضعفت فقيل له ، فإن كان هذا من الضعف فما قوة الحال ، فقال : أن لا يرد عليه وارد إلا وهو يلتقيه بقوة حاله ، فلا تغيره الواردات وإن كانت قوية ، وسبب القدرة على ضبط الظاهر مع وجود الوجد استواء الأحوال بملازمة الشهود ، كما حكي عن سهل رحمه الله تعالى أنه قال : حالتي قبل الصلاة وبعدها واحدة ، لأنه كان مراعيا للقلب حاضر الذكر مع الله تعالى في كل حال فكذلك يكون قبل السماع وبعده ، إذ يكون وجده دائما ، وعطشه متصلا . وشربه مستمرا بحيث لا يؤثر السماع في زيادته ، كما روي أن ممشاد الدينوري أشرف على جماعة فيهم قوال فسكتوا ، فقال ارجعوا إلى ما كنتم فيه ، فلو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همى ولا شفي بعض ما بي وقال الجنيد رحمه الله تعالى لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم وفضل العلم أتم من فضل الوجد فإن قلت : فمثل هذا لم يحضر السماع فاعلم : أن من هؤلاء من ترك السماع في كبره ، وكان لا يحضر إلا نادرا لمساعدة أخ من الإخوان ، وإدخالا للسرور على قلبه وربما حضر ليعرف القوم كمال قوّته ، فيعلمون أنه ليس الكمال بالوجد الظاهر ، فيتعلمون منه ضبط الظاهر عن التكلف ، وإن لم يقدروا على الاقتداء به في صيرورته طبعا لهم ، وإن اتفق حضورهم مع غير أبناء جنسهم ، فيكونون معهم بأبدانهم نائين عنهم بقلوبهم وبواطنهم ، كما يجلسون من غير سماع مع غير جنسهم ، بأسباب عارضة تقتضي الجلوس معهم ، وبعضهم نقل عنه ترك السماع ، ويظن أنه كان سبب تركه استغناءه عن السماع بما ذكرناه ، وبعضهم كان من الزهاد ولم يكن له حظ روحاني في السماع ، ولا كان من أهل اللهو ، فتركه لئلا يكون مشغولا بما لا يعنيه ، وبعضهم تركه لفقد الإخوان قيل : لبعضهم لم لا تسمع ؟ فقال : ممن ومع من ؟

--> « 1 » الحديد : 15 « 2 » الفرقان : 26